علاقة الموارنة بلبنان و روما - رحلة في جذور التاريخ -
Image default
رحلة في جذور التاريخ

علاقة الموارنة بلبنان و روما – رحلة في جذور التاريخ

علاقة الموارنة بلبنان

ارتبط تاريخ الموارنة بلبنان منذ ما يزيد على الألفي سنة. قدم إليه رهبان مار مارون قبل إنشاء البطريركية، وحملوا البشارة الى سكانه. وتوثّقت العلاقة بين الموارنة ولبنان عندما انتقل إليه البطريرك الماروني وتبعته غالبية الشعب بين القرن السابع والعاشر للظروف التي أوردناها.

لقد ارتسمت معالم جغرافيا مدنية وكنسية جديدة للموارنة، إنبسطت بين الجبة وبلاد البترون وجبيل، واستمرت الى القرن السادس عشر(19) . فكانت الأرض الجديدة أمنع مما عهدوه سابقاً وأحصن، ولكنّها أتت أضيق وأعسر وأمحل. وتطلّبت سعياً وجهداً متواصلاً، وعملاً دؤوباً لتوفير سبل العيش.

تكيّف الموارنة مع هذه البيئة، وعدّلوا ما أمكن من عناصرها، فجعلوها مؤاتية، ونظّموا طرق الحياة فيها.

عمّروا القرى تلك التي انتصبت فوق الهضاب والمرتفعات، وتلك التي تعلّقت على السفوح والمنحدرات.

وبنوا الكنائس فيها، فجاوب بعضها على خواصّ الهندسة التقليدية المعتمدة، فضمّت الحنية والسوق والرواق كما في سمار جبيل وتولا وعبد لله وبحديدات وإدّة (البترون وجبيل) ورشكيدا ومعاد وحدتون. وتزيّنت بالنقوش والتصاوير خصوصاً في بحديدات ومعاد. وغلب على معظمها الشكل المستطيل البسيط بحجارتها المغفّلة “الغشيمة” غير المنحوتة، وأبوابها الضيّقة، ونوافذها وفتحاتها الصغيرة، وقببها العارضة المتواضعة التي لم تحمل أجراساً قبل بداية القرن الثاني عشر.

اعتصم الموارنة في جبل لبنان، واستقرّ فيه بطاركتهم منذ نهاية القرن السابع. وأقام البطاركة الموارنة في أديرة في لبنان كانت غاية في البساطة والتجرّد. اجتمع حولهم فيها الأساقفة والرهبان. وأجبرتهم الظروف السياسية والاجتماعية أن يتنّقلوا بين مركز وآخر وأن لا يعرفوا الثبات في مركز محدّد قبل منتصف القرن الخامس عشر.

وهذه هي أهم المراكز التي أقاموا فيها:

دير مار مارون كفرحي، ويقع في أواسط بلاد البترون. ترمّم في نهاية القرن الثامن عشر، وتحوَّل الى مدرسة في بداية القرن التاسع عشر، وهو الآن مركز أبرشية البترون.

دير سيدة يانوح في جبة المنيطرة، فقد أقام فيه البطاركة بين سنة 949 و 1121.

دير سيدة إيليج ويقع في أعالي منطقة جبيل على تخوم ناحية البترون. أقام فيه البطاركة بين سنة 1121 و1440. ويشكّل هذا الدير معلماً أثرياً وهندسياً مميزاً، إذ قد بُني بحجارة من الدبش غير المصقولة يحمل أحدها في الجهة الشمالية نقشاً باللغة السريانية(20) ، كما تحمل بلاطة وضعت في شكلٍ مقلوب فوق القنطرة الغربية كتابة سريانية أخرى تؤرّخ لبناء الدير(21) .

ملّك الأمير يوسف هذا الدير الى الرهبانية اللبنانية المارونية، وأتبعه الى دير ميفوق بموجب صك مؤرّخ في سنة 1768. وبالرغم من إقامة البطاركة في دير سيدة إيليج، فقد تنقّلوا بين عدّة أديرة في بلاد جبيل والبترون قبل أن يستقرّوا في دير سيدة قنوبين سنة 1440 (22) .

يقع دير سيدة قنوبين في الوادي المقدّس (قاديشا) حيث ازدهرت الحياة الرهبانية وكثرت الأديرة والمحابس والصوامع. وتوفّرت له وقفيات عديدة بمجملها وضيعة قدَّمها المؤمنون كتعبير عن إيمانهم وعن محبتهم للكرسي البطريركي. وهي تشكّل نموذجاً في أنماط عمل البرّ والإحسان والتدوين إذ قد تسجّلت على هوامش إنجيل ربولا(23) .

وقد ثـبّت المجمع اللبناني دير قنوبين كمقرّ للبطريركية:”بناء عليه نحكم ونرسم بأن يستمر هذا (دير قنوبين) مقراً بطريركياً ثابتاً وبأن لا يُترك ولا يُبدل ولا يُنقل الى مكان آخر إلاّ بداعٍ شرعيّ مثبّت من مجمع كامل”(24) . واظبت فيه السلطة الكنسيّة على ممارسة الحياة المجمعية والرهبانية فانعكست شراكة روحية وبنية تنظيمية طبعت الإكليروس والشعب والرعية، فصحّ مدلول لفظة “قنوبين”. وحُقَّ لهؤلاء بموجب رباط الشراكة أن يشاركوا في انتخاب البطريرك كما ورد في محضر انتخاب ارميا الدملصاوي الذي دوّنه هو بنفسه. وبقيت هذه الطريقة متّبعة حسب شهادة الموفد اليانو الى زمن انعقاد المجمع اللبناني الذي حصر عملية الانتخاب بمجمع الأساقفة قطعاً.

حفل تاريخ دير سيدة قنوبين بالأحداث الخطيرة. تشكّلت فيه منذ أن أصبح مقراً بطريركياً سلسلة مترابطة ومعروفة للبطاركة. انعقدت فيه أولى المجامع المارونية، لاسيما سنة 1580 و 1596. حجّ إليه الموفدون البابويون والمرسلون، كما قصده المعتمدون السياسيون والسيّاح والزوار الأجانب. جرى منه التواصل مع السلطات العثمانية، والحكّام المحليين من أمراء ومشايخ وإقطاعيين، وجميع لفيف المناصب والمراتب، وطبقات الشعب.

انطلقت منه النهضة فحملت الحداثة الى أرجاء الشرق الأوسط برمتّه. وأمّه كلُّ معوز أو سائل فحصل على مطلبه مادياً ومعنوياً. ظلّ قنوبين القلب النابض للكنيسة المارونية زهاء أربعمائة سنة الى أن سلّم المشعل الى دير سيدة بكركي في مطلع القرن التاسع عشر.

وكانت أوضاع كنسيّة وعوامل سياسية واجتماعية ساعدت الى انتقال الكرسي البطريركي الى بكركي حيث أحاطت به الأديرة والكنائس والمؤسسات التربوية والاجتماعية تماماً كما في قنوبين وفي دير مار مارون. فكلا المقرّين في لبنان نشآ في مناخٍ روحيّ وأنعشاه، ولكنهما افتقرا الى الغنى الماديّ الذي تنعّم به الدير الأم حسب وصف المسعودي، والمكتشفات الأثرية الحديثة.

إنّ استقرار كرسي بطاركة الموارنة في جبل لبنان حوّله نحو “جبل مقدَّس”. انتشر في ربوعه أريج الحريّة. وتضوّع في أرجائه عطر القداسة. قامت الأبرشيات خصوصاً بعد المجمع اللبناني، وتوزّعت الرعايا على القرى. وتأسّست بعض المدارس وفي طليعتها عين ورقة، أم المدارس في الشرق. ونشأت الرهبانيات الكبرى، وانبثقت عنها تدريجياً مؤسسات تربوية واجتماعية، وستجد جميعها لها مكانًا في هذا الدليل.

وتطلّعت الكنائس الشرقيّة صوب جبل لبنان واتّخذت منه مقراً. ومنها من افترق عن الكنيسة الأم واتّحد مع الكرسي الرسولي في روما. وقصدته البعثات الإرسالية الكاثوليكية بمختلف تنظيماتها، وكذلك الارساليات البروتستانتية بكل أطيافها. ولا غلو في التاكيد على أنّ الموارنة ساهموا مساهمة فعّالة في خلق هذا التنوّع الثقافي الفريد في منطقة الشرق الأوسط.

أمّا على الصعيد المدني فأمّن لبنان للموارنة الملاذ الآمن في حمى جباله؛ فجعلوا منه واحة حريّة ومساحة تمدّن وثقافة.

طوّعوا أرضه الصخريّة. ورصفوا السفوح جلولاً عانقت التلال والجبال وغدت جنائن غنّاء. وصقلوا طبيعته وهذّبوها. فأصبحت مشهداً خلاباً. وأنعشوا الحياة الريفيّة وسيّروها على وقع الفصول والمواسم. وبحقٍ أكملوا عمل الخالق حتى أصبحت الطبيعة تدين لهم بكل ما أوتيت بعد الخلق.

ساهم الموارنة في تحويل جبل لبنان الى ملجأ للأقليات. فنزل فيه الشيعة، خصوصاً الأثني عشرية، والفرق التي تفرّعت عنها، والدروز في وادي التيم والجهات الجنوبية. تفاعل الموارنة مع هذه الأقليات، واجتازوا لبنان من شماله حتى جنوبه بجهدهم وعملهم المثمر بين سكّانه، لاسيّما الموحّدين الدروز. وحقّقوا تجربة حضاريّة فذّة تمثّلت بالعيش المشترك بين مختلف الجماعات الدينيّة التي أمّت لبنان(25) . وهذا هو المنطلق(26) .

في الوقائع، تعامل الموارنة مع جميع السلالات التي حكمت لبنان، وأخلصوا لها كلّ الإخلاص. فكانوا الفلاّح النجيب، والحرفي الحاذق، والتاجر الماهر، والجندي الشجاع، والدبلوماسي اللبق، والمستشار الفطن الأمين. وتكرَّرت تجربتهم مع العسَّافيين السنيين (1306-1591)، ومع المعنيين الدروز (1516-1697)، ومع الشهابيين السنيين (1697-1841). وثابروا على جهادهم حتى تحوّلت الإمارة إلى دولة اعترفت فيها فرنسا وعصبة الأمم سنة 1920، وأصبحت الدولة جمهوريّة سنة 1926، واستقلّت سنة 1943. جعلوا من الدولة وطناً يتّسع لجميع الطوائف، وأنشأوا له مؤسّسات تضمن حقوق جميع مكوّناته أفراداً وجماعات

المراجع

19 – Guillaume de Tyr (P. 246-247)

“ثمّ أنّ أمة من السريان في صقع فونيقي في نواحي جبال لبنان عند مدينة جبيل تغيّرت من حال الى حال. وذلك انها بعد أن لبثت نحو خمسمائة سنة متبعة ضلالة رجل مبدع اسمه مارون الذي نسبت اليه تسمت جماعتها موارنة وانفصلوا عن كنيسة المؤمنين وكانوا يقضون أسرارهم على حدة رجعوا بالهام إلهي عن غيهم ونزعوا عنهم توانيهم واقبلوا الى ايمريك البطريرك الانطاكي الذي هو ثالث بطريرك لاتيني يسوس الان تلك الكنيسة ورفضوا ضلالتهم التي كانوا متشبثين بها وقد اضرت بهم كثيراً ثم عادوا الى وصال الكنيسة الكاثليكية وتمسكوا بالايمان القويم. واستعدوا أن يتبعوا تعاليم الكنيسة الرومانية ويحترموها غاية الاحترام ويجتهدوا في حفظها. وكانت جماعة هذه الطائفة غير زهيدة. بل قيل أن الذين كانوا يسكنون نواحي جبال لبنان وبقاعه كما قلنا في اسقفيات جبيل والبترون وطرابلس كان عددهم ينيف على الاربعين ألفا. وكانوا رجالاً أقوياء وأشداء في حمل السلاح. وكانوا ينفعونا جداً في مصالحنا العظيمة الكثيرة التي كانت لنا مع أعدائنا. ولذلك قد شمل قومنا فرح جزيل برجوعهم الى استقامة الايمان. وأما ضلالة مارون وتباعه الذي كان لهم أولاً والان فهو قولهم بأن في ربنا يسوع المسيح مشيئة واحدة وفعلاً واحداً منذ الأزل كما يقرأ في المجمع السادس الذي عقد ضدهم كما هو معلوم وفيه حكم عليهم بالاشجاب. وهذا الضلال الذي رفضته كنيسة الارثذكسيين قد زادوا عليه ضلالات أخرى كثيرة مضرّة جداً بعدما افترقوا من جماعة المؤمنين. ولكنهم ندموا على هذه الضلالات كلها كما قلنا. ورجعوا الى الكنيسة الكاثليكية مع بطريركهم وبعض أساقفتهم. وهؤلاء كما كانوا قد تقدموهم سابقاً في الكفر كذلك تقدموهم الان في معرفة الحق.”

 

20- “بسم الله الحي الدائم. في سنة 1746 تجدد هذا الهيكل على يد الأخوين الكاهنين امون (كلمة غير مقرؤة) وقد كان صنعه أربعة بطاركة بطرس وارميا ويعقوب ويوحنا، سنة 1121.

21- بسم الله الحي الى الأبد. في سنة 1588 يونانية تمّ هذا البناء، بناء دير والدة الله مريم صلاتها معنا أمين. على أيدي الخطأة داود ود…تس (الاسم غير مقروء) وبطرس ويوحنا.

22- المجمع اللبناني، ترجمة المطران يوسف نجم، جونيه، مطبعة الأرز، 1900، ص 430-432 حيث يعدِّد المجمع المراكز البطريركية.

23- راجع هوامش انجيل ربّولا.

24- المجمع اللبناني، ص 432.

– كمال الصليبي، ” البطريركيّة المارونيّة في تاريخ الشرق العربي”، ص 45.

“تاريخ الموارنة هو تاريخ كنيسة وشعب في آنٍ واحد. وما تاريخ الكنيسة المارونيّة إلاّ تاريخ المؤسّسة المستمرّة دون انقطاع من القرن السابع الميلادي، حتى اليوم التي قادت الشعب الماروني عبر العصور منذ أن نشأ هذا الشعب بشخصيّته المميّزة في وادي العاصي، وبعد انتقاله إلى المناطق الشماليّة من جبل لبنان “من الدريب لبلاد الشوف” (على حدّ قول جبرائيل ابن القلاعي)، وكذلك عقب النزوح الماروني في الفترة العثمانيّة من المناطق الشمالية هذه إلى سائر المناطق اللبنانيّة، وحتى قيام الدولة اللبنانيّة الحاليّة واستقلالها في العصر الحاضر. في جميع هذه العصور لم تقتصر مهمّة الكنيسة المارونيّة، بقيادة بطاركتها المنتخبين، على تدبير الأمور الكهنوتيّة والروحيّة للطائفة، كما كان شأن غيرها من الكنائس الشرقيّة، بل كانت لها في الوقت ذاته زعامة شعبيّة تفرض عليها الاهتمام بشتّى الأمور الزمنيّة. وقد كان البطريرك الماروني على مرّ الأزمنة رئيساً للبيعة و”أميراً للمؤمنين”.

26- راجع عن بدايات لبنان كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان 634- 1516 م، بيروت، نوفل، طبعة ثانية 1992.

27 –  لم يكن هذا الإنجاز ليتحقّق، على حدّ قول المؤرّخ كمال الصليبي، لو لم “يتمكّن الموارنة عبر العصور، من المحافظة بدافع فطرتهم القوميّة، على هويّتهم التاريخيّة عن طريق الثبات في الموقف، والكفاح المستمر ضدّ الجور، والتعلّم من الأخطاء، والحكمة في انتقاء الأصدقاء، والاستعداد للتفاهم مع الغرباء والأضداد، والانفتاح على الحضارات، والحوار مع الآخرين قبل أخذ القرارات، والوفاء لكل من مدَّ لهم يوماً ما يدَ المساعدة وأظهر نحوهم عطفاً وتفهّماً وحسن مبادرة. إن هذا كلّه، مكّن الموارنة من المحافظة على حقوق الإنسان في العيش بحريّة وكرامة على مرّ الأجيال، ومن المساهمة في خلق وطن يضمن هذا الحق لجميع أبنائه”.

راجع كمال الصليبي، المقال المذكور، ص 47.

علاقة الموارنة بروما

تعتزّ الكنيسة المارونية بوفائها للكثلكة منذ انطلاقتها ودفاعها عن الإيمان بصيغته الخلقيدونية. من هنا، تتخطّى علاقتها بالكنيسة الرومانية، في إطار الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، صفة العلاقة البشريّة العاديّة. إنها شركة في الإيمان والمحبّة والرجاء التزمت بها الكنيسة المارونية منذ بداياتها. ولئن أعاقت الأوضاع السياسيّة هذه العلاقة،  ولاسيّما بين القرن السابع والقرن الثاني عشر، فهي قد استعادت زخمها منذ ذلك الوقت وحتى الآن. وهكذا وجّهت الدعوات إلى الكنيسة المارونيّة للمشاركة في المجامع، فشارك البطاركة شخصيّاً كلّما استطاعوا بدءاً بالبطريرك أرميا العمشيتي الذي حضر المجمع اللاتراني الرابع سنة 1215. وعندما تعذّرت مشاركتهم الشخصية، أرسلوا إليها من يمثّلهم.

توحّد العلاقة بين الكنيستين الأمانة للعقائد الكاثوليكيّة التي حدّدتها المجامع الكنسيّة، وثبَّتها التقليد الكنسي. وهما تلتقيان على مفهوم الكنيسة كجسد المسيح السرّي؛ ويؤكّد ذلك الاعتراف بأولويّة السدّة البطرسيّة، وبمسؤولية خليفة بطرس، رأس الرسل، الساهر على الوحدة المنظورة في كنيسة المسيح. تمسَّكت الكنيسة المارونيّة بهذه المبادىء، ودافعت عن ديمومة أرثوذوكسيتها، وعن اتحادها غير المنفصم بالكنيسة الكاثوليكيّة.

تعدّدت قنوات التواصل بين الكنيستين، وعيّنت روما قصّادا ووسطاء انتموا إلى مختلف الرهبانيات الغربيّة: الفرنسيسكان بحكم رعايتهم للأماكن المقدّسة(28) ؛ اليسوعيون وقد وجَّهوا رسالتهم نحو الشرق(29) ؛ الكبوشيون وقد نسجوا علاقات خاصّة مع العثمانيين؛ الكرمليون بسبب استقرارهم في الأراضي المقدَّسة. تنوّعت مهمّات قصادة هؤلاء الوسطاء طبقاً للقضايا والحاجات المطروحة عبر العصور. وحرصاً على توثيق العلاقات بين الكنيستين، اعتنت دوائر فاتيكانيّة خاصّة بقضايا الموارنة، ومنها الكاردينال الوكيل عن الكنيسة المارونيّة، ومجمع نشر الإيمان، والمجمع الشرقي، والقصادة الرسوليّة في لبنان وسوريا، ثمّ السفارة البابويّة منذ عهد الإستقلال.

ويشكّل تأسيس المدرسة المارونيّة في روما سنة 1584 أفضل مثال على الشركة في المحبّة. لقد تجاوبت هذه المدرسة مع اهتمامات روما المباشرة في نشر الإصلاح التريدنتيني في الشرق، وأدخلت الموارنة في عصر النهضة منذ انطلاقتها. وأدّت دوراً ثقافيّاً مميّزاً بين الشرق والغرب، حاكى ما قام به السريان عموماً والموارنة خصوصاً إبّان حركة النقل الأولى، وهيّأ للنهضة العربيّة الثانية التي انطلقت في منتصف القرن التاسع عشر.

قدّر الباباوات ثبات الموارنة على الايمان المستقيم وتعلّقهم بالكرسي الرسولي عبر العصور بالرغم من الاضطهادات والمضايقات حسبما يتبيّن من تواتر القصادات ووفرة البراءات. وتكثّفت الرعاية منذ منتصف القرن العشرين. فحطّ البابا بولس السادس رحاله في لبنان وهو في طريقه الى الهند.

واهتمّ البابا القديس بولس الثاني بالموارنة وبلبنان اهتماماً بارزاً طيلة عهده. فكرّس لكنيسة لبنان سينودساً خاصاً، وزار وطن الأرز بالرغم من حراجة الظروف بين العاشر والحادي عشر من أيّار 1997. وخصَّ أهله، إكليروساً ومؤمنين، بإرشاد رسولي رجاء جديد للبنان ضمّنه كل ما يكنّه له من محبة، فجاء أجمل وأعمق وأصدق ما يمكن أن يكتب عنه، ويحدِّد هويته ودعوته ومصيره.

وتعقبّه البابا بندكتوس السادس عشر، فعقد سينودوساً من اجل الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط، وأصدر إرشاداً رسولياً حول الكنيسة في الشرق الأوسط شركة وشهادة حمله خلال زيارته الى لبنان بين الرابع عشر والسادس عشر من أيلول سنة 2012. وسلّمه أيضاً للإكليروس والمؤمنين في يوم عيد الصليب الواقع فيه 14 أيلول. وهو يشرح وجود الكنيسة الكاثوليكية ورسالتها في هذا الشرق، ويستشرف أيضاً صعوباتها الحالية على درب الجلجلة والقيامة.

ويرافق البابا الحالي فرنسيس هذه الكنيسة الممتحنة بوجودها ورسالتها بصلاته ورعايته

المراجع

28- الأب حليم نجيم، الدكتور بيار مكرزل، الفرنسيسكان والموارنة (1233- 1516)، بيروت 2009.

29- Sami Kuri, Monumenta Proximi-Orientis I (1523-1583), Rome 1989; III (1583-1623), Rome 1994.

 

 

 

 

Related posts

لقطة نادرة من ذاكرة لبنان ، الرئيس إميل إدّه والرئيس بشارة الخوري

Baladimedia

رحلة في جذور التاريخ – المطران يوحنا حبيب (1816-1894) مؤسس جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة

Baladimedia

البطريرك مار يوحنا بطرس الحاج من كسروان – رحلة في جذور التاريخ

Baladimedia