“الصفرا في التاريخ”

تاريخ رحلة في جذور التاريخ محليات

المحامي شارل ي. ابي صعب
كلما صدر كتاب جديد يتناول تاريخ قرية أو بلدة أو منطقة من لبنان، يضيف هذا العمل الجدير بالتقدير الى المكتبة الوطنية مرجع موثق يقود الى معرفة المزيد من الأصول والجذور لكل الأسر التي تفرعت في مختلف المناطق اللبنانية لا سيما ذلك التاريخ الصادر عن منطقة معينة بحيث يضيء على ظلمات شتى كانت مطمورة في زوايا وامكنة مجهولة، فلو لم يتلقفها أصحاب الشأن من مؤرخين ومهتمين بالشؤون التاريخية والثقافية والتراثية، لبادت وفقدنا معها ثروة لا تعوض بأثمن وأغلى من مثيلاتها في الدنيا.

من هذا المنطلق التوجيهي والمنهجي لكتابة التاريخ ولانصاف المنقبين والمفتشين عن الحقائق والحوادث وسردها  بشكل واقعي، وضع جريس محبوب صقر كتابه “الصفرا في التاريخ” كأني به يشارك فؤاد افرام البستاني افكاره التي  اصرّت على وجوب  كتابة تاريخ كل منطقة وقرية وبلدة حتى يصبح لنا تاريخ كامل  شامل. وهذا ما اثبته في تقدمته لتاريخ الكفور – كسروان وأسرها للمؤرخ الخوري يوسف ابي صعب اذ اورد حرفياً: طالما رددنا انه لا يتم لنا تاريخ كامل  شامل، صحيح، للبناننا العزيز، على كر العصور وتوالي الحقب إلاّ بعد ان تتوافر لنا التواريخ الخاصة بمختلف الاقاليم والمناطق البارزة عناصر متكاملة في تكوين الوطن اللبناني في شخصيته المميزة، وحضارته الانسانية الفذة”.

يحتوي كتاب “الصفرا في التاريخ” على سبعة فصول، تبحث وتتحدث عن “الصفرا قبل ان تسمى الصفرا” كما اشار الى ذلك المؤلف صقر في بداية كتاباته عنها، وما كان يعرف اسمها في الماضي البعيد، وما تبقى من اثارها التي تدل على اسمها الاولي عبر اجيال وقرون في ظل من تولوا الحكم في لبنان من امراء ومقدمين وفاتحين من ملوك وسلاطين وذلك بما وجده ونقله واتخذه كمرجع ومصدر عن كتّاب ومؤرخين موثوقين ارخّوا لمنطقة الصفرا المنسيّة.

حكايات وذكريات
“الصفرا في التاريخ”* كتاب جمع حصاد الايام على بيادر  التاريخ … انه الوفاء للصفرا، البلدة الكسروانية التي أبت ألاّ ان تترك بصمة في التاريخ، منذ ان ذكر الرحّالة الادريسي ماحوزها ، تلك العين المنعشة التي روت للبحر على مرّ السنين حكايات الضيعة، ولم تبخل يوماً من  ريّ عطش ابنائها وعابري السبيل. وهذا الكتاب هو كعين الماحوز، فعين لا ينضب، وماء رقراق، يروي حكايات وذكريات وتاريخاً، ليبعثها حيّة في ذاكرة جيل يبدو انه بدأ يفقد ارتباطه بماضيه”.
“ونسيان الماضي هو نسيان الاصل، ومن نسي اصله فلا أصل له” هذا ما خطّه الدكتور اندريه نصار في تقدمته لكتاب ” الصفرا في التاريخ” وهو العارف بشؤون التاريخ وشجونه، والغارف من منهل الثقافة والامانة والخزانة التاريخية التي كرس حياته من اجل تخريج جيل بعد جيل عبر تلقينه مادة التاريخ وأصولها ومنهجيتها الاكاديمية لدى الجامعة اللبنانية، في كلية الآداب والعلوم الانسانية.

اضافة الى ذلك نكتشف مدى المعرفة القيّمة، والعلم الواسع للدكتور نصار، في هذا المضمار، من خلال ابحاثه ومقالاته القيّمة لا سيما في مجلة المشرق التي تصدر عن الآباء اليسوعيين، ومجلة ” كرونوس” وهي مجلة دراسات تاريخية تصدر عن جامعة البلمند.
استهل المؤلف كتابه وفصوله السبعة بلمحة موجزة عن تاريخ الانسان القديم والشرائع المنزلة محدثاً مقارنة مختصرة بين القديم والمعاصر، وصولاً الى الفصل الاول الذي يشتمل على وصف القرية اللبنانية، ليدخل بعدها المؤلف الى تاريخ تسمية قرية الصفرا بهذا الاسم وذلك نقلاً عن الحتوني الذي أفاد ان هذه التسمية حصلت في اواخر القرون الوسطى التي حددها أكثر المؤرخين من سقوط روما في العام 476 م على  يد قبائل البربر، حتى سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح العثماني في العام 1453 م وابتداء عصر النهضة.

اما العام 1305 فقد اطلق عليه المؤلف زمن الكارثة على منطقة كسروان وتحديداً في الفصل الثاني من كتابه وذلك بسبب دخول المماليك الى كسروان مما ادى الى تهجير ما تبقى من سكانه الاصليين واصبح كسروان خالياً من البشر، ومحروق الكنائس والأديرة والبيوت والزروع والشجر. كل ذلك حصل في سنة واحدة على يد المماليك بقيادة نائب الشام أقوش الافرم حيث دخلت جيوش هذه الحملة من جهة الشمال وتحديداً من محلة العقيبة بعد ان حاولوا الدخول الى كسروان من جهة نهر الكلب عدة مرات وفشلوا لتصدي الكسروانيين لهم. ولكن محاولة المماليك الاخيرة التي حصلت من جهة الشمال كانت ناجحة لأن الجبليين تقاعسوا عن مساعدة  الكسروانيين مما أدى الى خراب كسروان وخلوه من المسيحيين، سكانه الاصليين لمدة طويلة كما يروي المؤلف.

عائلات الصفرا
وقد تطرق هذا الأخير الى بعض عائلات الصفرا كعائلة نصار الشيعية وهي من العائلات القديمة فيها، وعائلة صقر التي تتوزع في اكثر الطوائف اللبنانية، فمنها موارنة، واورثوذكس، وسنّة وشيعة ودروز. ويردف قائلاً ان بيت صقر الموارنة اكثرهم يسكنون في قرى جبل لبنان ابتداءً من منطقة الشمال في قضاء زغرتا وبالتحديد في بلدة ايطو لانهم دخلوا لبنان، من جهة البقاع الشمالي، ومن هناك انتقلوا الى أيطو وانتشروا في عدة قرى: بجدرفل، وبنتاعل الى عمشيت وجبيل. ومن أيطو ايضاً بيت صقر في بلدة قرطبا وفي مزرعة كفردبيان وكذلك في الدوار اواسط المتن.

أما في الفصلين الثالث والرابع يتكلم المؤلف  صقر عن وقائع واحداث طرأت أدت الى تغيير عصور وعهود كعصر الامارات ورجوع  الموارنة للتوطن في كسروان بعد دخول العثمانيين وتثبيت الامراء المعنيين والعسافيين في مواقعم. وتولي آل الخازن على كسروان وبلاد جبيل  والبترون من قبل الامير فخر الدين المعني الثاني، تبعه عودة المسيحيين الخجولة كما  يسميها المؤلف الى الصفرا وتعايشهم مع الشيعة في ظل  حكم الامراء العسافيين. كما يعطي لمحة عن العائلات التي عادت الى الصفرا بعد اجلاء الشيعة عنها أيام الامير يوسف شهاب، كعائلة القزي التي شبهها “مثل نصوب التوت التي دربوا الناس على زراعتها” … وبيت البواب الذي ينتمي اليها البطريرك يوحنا البواب الصفراوي استناداً الى تاريخ سوريا الديني والزمني للمطران يوسف الدبس، وبيت معوض وبيت النار وغيرهم من العائلات التي قطنت الصفرا. وقد عمد المؤلف الى تصوير شجرة لكل عائلة بدءًا من الجد الجامع لها، وافرة الاوراق باسماء ابنائها المتفرعين عنها.

ان تاريخ تسلسل العائلات يقود الى معرفة الجد الجامع لكل اسرة وما تفرع منها من انساب وفروع عديدة، كانت مشتتة في أماكن مختلفة، تجمعت فيما بعد حتى ألّفت بوتقة واحدة في مجتمع واحد، فشرع بعض المهتمين بشؤون هذه العائلات الى تأريخ كل اسرة ووضع شجرة لها بدءًا من الجد الجامع وصولاً الى آخر نسل توقفت عنده هذه العائلة على امل ان تواصل مهمة التكاثر، وتحافظ بالتالي على السلسلة النسبية التي اضحت العنصر الاساسي  لتوحيد العائلة وبقائها في  حلقة متماسكة.

من هذا التفكير والواجب التاريخي، انطلق المؤلف صقر يبحث ويفتش عن أصول وفروع العائلات التي سكنت الصفرا، فوضع لكل  منها مشجرة، وهذا ما اثبته في الفصلين الخامس والسادس، معدداً الأسر التي سكنت  وتجذرت في أرضها، كبيت البيطار، والهوا، وعويس، والحوت وزيدان، طربيه، سعد، خليفه، بو سجعان، الراعي، وجعجع، وغيرها من الاسر التي ما زالت متواجدة حتى اليوم، مقابل عائلات انقرضت كبيت الشبابي. حتى تمكن المؤلف في نهاية المطاف من رسم شجرة تدل على اسماء الاجداد الذين ولدوا في اواخر القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر، اضافة الى من تبقى منهم بعد الحرب العالمية الاولى.
وبفضل   تنقيبه في بطون الكتب والتواريخ ، واستناداً الى مؤرخين كبار امثال الدويهي ، وطنوس الشدياق، والمطران يوسف الدبس، والحتوني وغيرهم من الذين ارخّوا لتلك الحقبة من الزمن، تمكن المؤلف من تحديد اماكن بيوت هذه الاسر المذكورة التي ولدوا وترعرعوا فيها، وذكر بالاسماء انساب اولئك الاجداد الذين تحدرت منهم.

الفصل الأخير
أما الفصل السابع والأخير ، فقد ضمّنه الكاتب صوراً من ذكريات الماضي المفعم بالحياة والامل، لابناء الصفرا، مختتمة بعده السيدة كسرى جرجس صقر الكتاب القيّم عن الصفرا وتاريخها المجيد بكلمة مؤثرة تضمنت شبه نداء الى المجتمع بكافة تشعباته  لا سيما الشباب منه وذلك بعد ان انطلقت من مبدأ ” ان هذا الكتاب يبقى، وتبقى الصفرا في التاريخ، وكلنا نرحل”، وبعد أن استخلصت ايضاً من فحوى تاريخ الصفرا ” عبراً تصقل قيمي وتغرسني عميقاً في  هذه الأرض، وتجعلني أكثر وأكثر بأسس بناء هذا المجتمع في مواجهة التحديات” … نداء أطلقته الى الشباب الناشئ لأخذ المبادرة في كتابة صفحات الصفرا في المستقبل بهدف بناء مجتمع افضل ركيزته الانسان وثقافته وانفتاحه على ديموقراطية المعرفة، واستيعابه حضارة التعددية لخلق مجتمع مقاوم، منفتح ومبدع.

بعد قراءة شاملة لتاريخ الصفرا المميز الحافل بالامجاد والمرويات والاحداث، لا يسعني في الختام سوى ان اثني على الجهود الحثيثة التي بذلها المؤلف جريس محبوب صقر عبر سنوات طويلة حتى تمكن من جمع مرجعاً تاريخياً موثقاً بالحجج والبراهين والمصادر الغنية، مضيفاً بعمله الذي لا يقدر بأي عمل مقابل له، الى المكتبة الوطنية مدماكاً اساسياً وركناً اصيلاً اكتمل بناؤه من خلال سلسلة مناطقية تأريخية، لا سيما ان التاريخ تبقى ذاكرته الطيبة في  الاذهان وتنتقل الى الاجيال، اما الانسان فهو زائل لا تبقى من بعده سوى اعماله وتراثه الخيّر.

* كتاب من الحجم الوسط – تأليف جريس محبوب صقر – يقع في 354 صفحة.