“يا لور حبّك” طارت بها الأيام وطار المؤلّف والملحّن

تاريخ

لا تزال أغنية “يا لور حبّك” مجهولة الملحّن أو يتيمته. مهما تعددت المصادر وتشابكت، تعود في كل مرة إلى بداية القول ان ملحنها هو متري المر (1880-1969). ففي حين يجزم حليم الرومي في مذكراته بأن ملحنها “هو متري المر الذي هو أروع من لحّن الشعر الشعبي الفصيح في جيله، ومن بين أبرز ما لحّن في حياته أذكر اغنيتين عمّتا لبنان والشرق العربي وترددتا على كل شفة ولسان، “يا لور حبك” و”ظبية الانس الي”، يجزم المؤرخ الفني محمود زيباوي بأن اللحن في طبيعته غربي وأُنزل عليه الكلام في أكثر من حدث ومناسبة.

استخدم نجيب حنكش اللحن نفسه على كلمات “هل يا ترى نعود اليك يا لبنان”، وكذلك فعل الأخوان رحباني بصوت فيروز لكنهما صنّفا الأغنية من إعدادهما وتوزيعهما، ووردت في اسطوانة “أغاني من الماضي”.

كما ان المسلسل المشهور، “عشرة عبيد زغار”، الذي أخرجه جان فياض واضطلع انطوان ملتقى ولطيفة ملتقى بدوري البطولة، بنى اغنية الجنيريك على اللحن من دون الاشارة الى صاحبه. ثم عاد اللحن على الكلام نفسه “يا لور حبك” مع الياس رحباني في مسرحية “ميس الريم”، وهذه المرة بصوت الفنان موريس عقل، وكذلك من دون الاشارة الى مؤلف اللحن.

تعود التساؤلات: هل هو لحن بيزنطي مأخوذ من ترتيلة كنسية قديمة من روائع الترانيم، ام هو لحن عربي؟

في بداية السبعينات قدّم انطوان غندور سلسلة انتجها “تلفزيون لبنان” بعنوان “كانت ايام” وخصّص حلقة لأغنية “يا لور حبك” معتبرا أياها مجهولة المصدر ومجهولة اللحن.

في كتابه “الشعر اللبناني والغناء الفولكلوري” يروي الباحث مروان نصر الدين نقلاً عن انطوان غندور قصة هذه الاغنية التي تعود الى القرن السادس عشر عندما استقدم الامير فخر الدين الثاني بعض المهندسين الإيطاليين لإضفاء لمسات من العمارة الايطالية على البناء اللبناني وخصوصاً القرميد. وكان بين هؤلاء مهندس معماري هو موسيقي وشاعر. يؤكد هذه القصة المؤرخ جوزف نعمه الذي كتبها في احد ملاحق “النهار” عام 1973 ومما جاء فيها ان هذا المهندس أغرم بفتاة اسمها لور فتزوج منها وأنجبا اولاداً.

ذات يوم قرر مغادرة لبنان الى مدينة حلب في سوريا سعياً وراء تنمية موهبته الموسيقية، لأن الجو في لبنان كان يحول دون ذلك، فكتب رسالة الى زوجته لور التي كان يحبها كثيراً. وفي حلب تعرّف الى فتاة تغنّي فأخذ يكتب الأغاني ويلحّنها وراحت هي تنشدها في الملاهي والمسارح ومنها “يا لور حبك” الموجهة الى زوجته لور في لبنان. الغريب ان هذه القصة وردت أيضاً في احدى المجلات الفرنسية تحت عنوان “قصة من لبنان”، تتغير فيها بعض الوقائع وهي ان زوجته لور عندما سمعت الاغنية لحقت به الى حلب لكنه كان قد غادر الى بلاده بعد اصابته بالعمى. وان لور تعرفت الى المغنية وسمعت منها الاغنية ومنذ ذاك الوقت طارت للأغنية شهرة وراح الشعراء يغيّرون الكلمات. وثمة من يقول انها قصيدة رثائية لعاشق كتبها وانشدها على قبر حبيبته لور. لكن كلمات الشاعر وليم طعمه صمدت:

يا لور حبك قد لوع الفؤاد/ وقد وهبتك الحب والوداد

الا تذكّري ليالي الصفـــا/ وعهداً عهدنا على الوفـــا

وينهي طعمه قصيدته بهذا البيت “كفاني يا ربي هجراً، كفى”. وحتى في كلمات الاغنية تختلف الآراء، اذ يقول المؤرخ الموسيقي روبير الصفدي ان الاغنية هي من كلمات متري المر الذي كتبها لزوجته لور ووزّعها الاخوان رحباني وغنّتها فيروز، ولا يذكر شيئاً على انها من ألحان متري المر. وحده الاب بديع الحاج يرجح ان الاغنية من ألحان متري المر. واللافت ان ليس هناك تسجيل بصوت المر او اسطوانة تؤكد هذا الترجيح. لكن بمرور 50 سنة على وفاة الملحن متري ابن الخوري الياس المر المولود في طرابلس، لا بد من التحية لهذا الملحن لمساهمته المميزة في الاغنية اللبنانية والعربية، هو الذي قرأ الكتاب المقدس على يد معلمة عمياء وصاحبة صوت جميل اسمها رفقا. كما تعلم الانغام الكنسية على يد الموسيقي يوسف الدوماني اول مرتلي البطريركية الأرثوذكسية الانطاكية النازح من دمشق عقب حوادث 1860، وعنه اخذ متري المر المعرفة بالسلالم الموسيقية البيزنطية. اقام متري المر الحفلات الغنائية في بيروت برفقة كبار العازفين على الالآت الشرقية والبيانو فانتشرت اخبارها في المدارس والبيوت والاندية الراقية.

ولحّن الكثير من الاناشيد والموشحات مما نظمه الاخطل الصغير، مثل “صداح” و”كيف انسى”، ونشيد “الاصطياف” و”جابر مها غسان”. لشبلي الملاط “يا قومنا هيا بنا” وللشيخ خليل تقي الدين “تعالي الي”. كما نظم ولحّن “يا بلادي” و”لبنان السامي” و”شهدت سقم الليالي” و”يا انس ماذا جنينا”. وله كذلك في الزجل المصري “ليه قلبك قاسي” و”القمر في الجنينة” و”ربيع القلب”. كذلك اشتغل على التراتيل الكنسية البيزنطية باللغة العربية ودوّنها في كتابه “القيثارة الروحية” (1955) رابطا الالحان البيزنطية بروح الموسيقى العربية. لبث متري المر قابضاً على سر اغنية مجهولة اللحن مجهولة الكلام ولكن في فحواها التعبير عن الانسان والشوق والوفاء والحنين. وعاشت الاغنية في قلوب الناس وذاكرتهم ووجدانهم وغدت تراثاً أصيلاً يستعاد ويغنّى ويُجوَّد ويضاف.

“يا لور حبك” اغنية جميلة من بلادنا نعرفها وتعرفنا، نستعيدها وتستعيدنا، نسكنها وتسكننا. ربما يأخذنا البحث والتدقيق ذات يوم الى معرفة المؤلف والملحن الحقيقي لهذه الاغنية. لكننا سنظل نردد كلام الاغنية في كل لحظة حب او دقة قلب، وفي قلب الاغنية نلمح الجواب والاحتمالات. تقول الأغنية: ” لو تسألي قلبي/ كم انت في بالي/ كم ازهرت احلام/ بالحب والصفا/ طارت بها الايام/ مثل الغفا”.

سليمان بختي – النهار