تعرّفوا على دير مار جرجس, الناعمة – فقرة أديار لبنان – Baladi Media

أديار لبنان تاريخ ديني رحلة في جذور التاريخ

دير مار جرجس – الناعمة يرجَّح أن يكون إسم البلدة “النَّاعمة” من أصل آرامي معناه الحسن والجمال. كانت النَّاعمة الشوف – جبل لبنان مركزًا صناعيًّا في عهد الفينيقيِّين، وقد راجت فيها صناعة الزّجاج. تحمل طبيعتها المميَّزة في كلِّ شهر موسمًا جديدًا، وهذا يضفي عليها حسنًا وجمالاً.

حِفَاظاً على هذا الكنز الطبيعي الفريد، عمل الشيخ كنعان نكد الدرزي على الاستفادة من الخبرات الزراعيَّة الحديثة، فَوَهَب الرهبانيَّة اللبنانيَّة قطعة أرض، بِخراج مزرعة النَّاعمة، سنة 1757، في عهد الأب العام جرجس قشُّوع لبناء الدير، وَسَلَّمها الأراضي الباقية، بمشاركة الشلش، حتَّى سنة 1801، حين جرت المقاسمة نِهائيًّا بينه وبين الرهبانيَّة، فنالت الرهبانيَّة نصف الأملاك، واشترت النِّصف الآخر من الشيخ كنعان.

وبعد تسلُّم الرهبانيَّة الأرض، أنشأت ديرًا على اسم القدِّيس جرجس الشهيد، ويعرف هذا الدير اليوم بقبو يوسفيَّة، وهو على مسافة مئة متر تحت الدير الحالي. أمَّا الدير الجديد فقد بُنِي أيضًا استجابة لطلب الشيخ كنعان نكد الذي اشترط أن يكون الدير على اسم قدِّيس (صاحب مراجل)، وأن يكون كبير البناء لكي يليق بصاحب المقام. أكمل الرهبان، سنة 1786، بناء الكنيسة والأقبية مع بعض القلالي من الجهتَين الغربيَّة والجنوبيَّة.

عندئذٍ، تركوا الدير القديم وسكنوا الجديد. وفي هذه السنة، اشترى الأب العام شربل مدلج من الشيخ سلمان بن كنعان نكد الأرض السليخ في محلَّة النَّاعمة. وعلاوةً على العمل الزراعيّ الذي كان رهبان الدير روَّاده في المنطقة، كان للدير أيضًا عمل اجتماعيّ وإنسانيّ ورعويّ يؤيِّده المؤمنون الموجودين في جواره. وقد عيَّنه مجلس المدبِّرين العامِّين، سنة 1881، ديرًا للإبتداء، فنقل إليه من دير سيِّدة طاميش خمسة وأربعون مبتدئًا مع معلِّمهم. على الصعيد الإجتماعيّ، يقوم الدير برسالته كمركز لنشاطات متعدِّدة.

ولم تتوان الرهبانيَّة عن تحديثه وتجديده ليكون دائمًا أهلاً لاستقبال المؤمنين صغارًا وكبارًا. أمَّا على الصعيد الإنسانيّ، فَلِدير مار جرجس النَّاعمة عطاءات مهمَّة على مرِّ التاريخ، ومشاركة في المعاناة التي تكبَّدها المؤمنون في جواره. شرَّع أبوابه، إبَّان الحرب العالميَّة الثانية، لجميع المتضرِّرين من أهالي الدامور وكلِّ الجوار، مقدِّماً جميع المساعدات.

وخلال الأحداث اللبنانيَّة الأخيرة، لم يسلم الدير من الخراب والدمار. لكن الرهبانيَّة، إسهامًا منها في مسيرة السلام والإعمار في الوطن، وتسهيلاً لعودة المهجَّرين إلى الساحل والجبل، إتَّخذت قرارًا سنة 1992، يقضي ببناء ما تهدَّم من الدير، وإعادة الرهبان إليه، ليقوموا بخدمة الأهالي الذين تشجَّعوا بعودة الرهبان إلى ديارهم، فعادوا إلى منازلهم، لكي يحثُّوا المتردِّدين على استعادة الثقة والعودة عاجلاً إلى ديارهم.