بالصور: ما لا تعرفونه عن بشير الجميّل… ماذا قال رفاق السلاح؟

تاريخ

بشير الجميّل لم يكن رجلاً عاديّاً، وطبعاً لم يكن إلهاً كما يبالغ البعض بتصويره. قد يختلف كثر معه حول سياسته ونظرته إلى الواقع اللبناني والخطّ الذي سلكه للخروج من أزمة الوجود الفلسطيني الذي كان يهدد الكيان اللبناني ومقاومة الاحتلال السوري، لكن الجميع يعلم أنه لم يكذب ولم يناور في طروحاته السياسية، بل كان يعلنها كما هي، وعندما كان يلتزم بموقف أو قرار أو اتفاق يذهب فيه إلى النهاية، وما استشهاده إلاّ خير دليل على أنه دفع حياته ثمناً للدفاع عن سيادة لبنان الممتدة على 10452 كلم2.

من إبن مؤسس حزب الكتائب اللبنانية إلى قائد المجلس العسكري للحزب، مروراً بتأسيس “القوات اللبنانية”، وصولاً إلى انتخابه رئيساً للجمهورية، لم يتغير بشير وبقي هو هو، ولعل ميزته الأساسية التي ساعدته في صعوده السريع في بيئته الحزبية والسياسية والحياتية أنه كان قريباً جداً من ناسه، كان يعرفهم جيداً وهم يعرفون تواضعه ومحبته لهم وثقته فيهم، وإيمانه بعمل المجموعة وليس التفرد بالسلطة أو القرار. لم يسعَ إلى السلطة أو المال، أو المناصب، وكم كان يكره المال الذي لا يقتنيه إلا لحاجته.

كان دوماً يستمع إلى الآخرين ويتشاور مع حلقته الضيقة بصوت عال ليتخذ القرار المناسب. كثيرة هذه القصص التي تحكى عن بشير من الاكثر جدية الى روحه المرحة. رفاقه في الحياة ورفاقه في السلاح لم تنجح السنوات الـ37 على استشهاده في أن تنسيهم هذا القائد الذي ترفّع عن كل شيء من أجل لبنان.

بشير أثناء عرض كتائبي في وسط بيروت

بشير وبسمرجي في طائرة أميركية

بشير يكره المال

جان بسمرجي رفيق بشير منذ الطفولة إلى شبابه وصولاً إلى قيادته للمجلس الحربي، لم يتعبه الحزن على استشهاد صديقه في العودة إلى محطات صغيرة من حياته ليكشف النقاب عن تجرد هذا الشاب. يروي بسمرجي لـ”النهار” عن تجارب عاشها مع الرئيس الشهيد من بينها أنه “في أحد الأيام دخل عليّ بشير حاملاً دفتراً صغيراً وقال لي: أريدك ان تسجل في هذا الدفتر كل المصاريف التي أدفعها لأموري الشخصية، وتلك التي أنا مضطر أن أدفعها بصفتي الحزبية، وفي نهاية كل شهر نتحاسب، إذا كان لك عليّ، أدفعه، وبالعكس، واستمرت هذه الحال حتى الأيام الاخيرة”. ويشرح بسمرجي أن بشير لم يكن من عشاق الثروات وجمع المال، وأنه مرّ بأوقات مادية صعبة كانت تنجده فيها والدته الشيخة جنفياف. ويقول: “في أحد الأيام قال لي: سألتْ عنك Tante جنفياف، فاذهب إليها. في المرة الأولى، أعطتني الشيك الذي كان يقبضه الشيخ بيار الجميل كمرتّب في مجلس النواب بقيمة 6 آلاف ليرة وقالت: اعطه لبشير. وبعد وقت طلب مني أن أذهب إليها بالطريقة نفسها، فحصل الشيء نفسه. علمت أنها تساعده عندما تتأزم أحواله”.

ويروي بسمرجي حادثة ثانية مع بشير في هذا الإطار قائلاً: “جاء مرة شريكه في مكتب المحاماة كعادته في نهاية كل شهر كي يحاسبه، وإذ تصاعد الصراخ في المكتب، ففُتح الباب وطلب مني شريكه أن أتدخل لحلّ الإشكال، فقال لي: “ربحنا دعوى كبرى هذا الشهر وجئت لأتقاسم معه الربح، فرفض ذلك لأنه لم يشارك فيها”… وبعد نقاش طويل قال بشير: أعطهم لجان ليتدبر أمره بها”.

“هابي” مع بشير

“هابي” مع سمير جعجع

جعجع وبشير وأسعد سعيد.

ملجأ شركة الكهرباء وبراد المرفأ

بخلاف الصورة التي يظهرها البعض عن بشير أنه رجل المعارك والحرب وصخب القتال، يقول أسعد سعيد (كان يناديه بشير بـ هابي Happy) رئيس الشعبة الثالثة في المجلس الحربي آنذاك ومستشار رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع حالياً أن “هناك بشير الانسان القريب من الناس الذين كانوا اولوية لديه ولعل حرب المئة يوم في الاشرفية اظهرت جلياً بشير المسؤول الساهر على سلامة الناس وامنهم وراحتهم”. ويروي سعيد انه “مع اشتداد ضراوة قصف الاحتلال السوري للاشرفية لاسقاطها، طلب منا بشير ان نجهز ملاجئ للمواطنين لان الابنية لا يمكنها ان تصمد في ظل القصف المتواصل، وحصل ما أراده وجهزنا ملجأ شركة الكهرباء في 5 طبقات تحت الارض حيث توجه الاهالي بسياراتهم وظلوا فيها حتى انتصارنا”. واضاف: “بشير ايضا نزل هذا الملجأ بعدما اجبرناه على ترك المجلس الحربي حيث ابقينا على مجموعة صغيرة بعد اشتداد القصف عليه لمتابعة التواصل مع الجبهات”.

و”رب ضارة نافعة”، كما قال سعيد وهو يروي عن استهداف القصف السوري لبرادات المرفأ. ويروي:”طاول القصف السوري برادات المرفأ حيث كانت تحفظ المواد الغذائية، ومع الحصار الذي كان مفروضاً على الاشرفية ويمنع وصول المواد الغذائية طلب بشير توزيع هذه المواد على اهالي الاشرفية الصامدين وتطوعت نساء الاشرفية على إعداد الطعام وتوزيعه على الاهالي”.

كما يروي سعيد ان “بشير كان يخرج الى شوارع الاشرفية رغم انهمار القذائف العشوائية ليطلع على امور الناس ويؤكد حضوره الى جانبهم وانه باق الى جانبهم وكان يفرح كثيرا عندما يرى نساء الاشرفية “يكنسن” الارض ويرفعن الردم من امام منازلهن ويكملن حياتهن”.

فؤاد أبو ناضر مع بشير

ما قصة المرسيدس الخضراء؟

من رفاق بشير أيضاً، قائد القوات اللبنانية السابق فؤاد أبو ناضر الذي رافقه في شبابه وفي الميدان العسكري، وخاض بقيادته أشرس الجبهات. ويتحدث لـ”النهار” عن لحظات عاشها مع “قائد رفض أن تكون وظيفة المسؤول جمعَ وسرقةَ المالِ العام، وعمل على تطبيق مبدأ “من أين لك هذا؟” في المجلس الحربي الذي كان يرأسه، وأراد أن يبني الدولة التي كان ينخرها الفساد”.

ويروي أبو ناضر أنه “في عامَي 1977 و1978، بعد تأسيس المجلس الحربي، طبّقنا مبدأ “من أين لك هذا”، وصرّحنا عن ممتلكاتنا، وكنا نهزأ من الذين يقودون السيارات الفخمة، وفي يوم نفاجأ ببشير يدخل إلى المجلس الحربي بسيارة مرسيدس خضراء، ولاحظ أننا نظرنا إليه بطريقة غريبة، وما هي إلا دقائق حتى استدعتنا سكريترته إيزيس إلى اجتماع معه، حيث أمضى وقتاً طويلاً يشرح لنا، كيف اشترى المرسيدس، ولماذا، وكيف يسدد أقساطها، وأنها ليس جديدة بل مستعملة… لهذه الدرجة كان بشير شفافاً، وأرادنا أن نفخر بالعمل الذي نقوم به، وبأننا فريق واحد، وللأسف، استشهدت لاحقاً مايا ابنة بشير، في هذه السيارة”.

الشيخ بيار خط أحمر

وخلال قيادته للمجلس الحربي، حرص بشير على أن يعمل مع فريق عمل واحد، من دون التفرد بأي قرار. ويخبر أبو ناضر أن “بشير في كثير من المرات كان يعتذر عن أخطاء ارتكبها، وكان دوماً يستشير المجموعة التي كان يعمل معها، ويفكر بصوت عال، وأحياناً كثيرة كان يدخل إلى الاجتماع بفكرة معينة وعند خروجه يتبنى قرار المجموعة، وهذه الميزة ولّدت لدينا ثقة فيه، خصوصاً لأنه كان يقدّر جداً تضحيات الشباب الذين يقاتلون إلى جانبه من أجل القضية.

ويروي أبو ناضر: “علاقتنا نحن كمجلس حربي ومجموعة بشير لم تكن جيدة مع المكتب السياسي لحزب الكتائب، وكانوا يوبّخوننا دوماً لعدم انصياعنا لقراراتهم، لدرجة أن بشير قدّم مرة استقالته إنما رُفضت من قبلهم، وكان بشير بعد كل اجتماع يهزأ بأعضاء المكتب السياسي، ومرةً تناول والده الشيخ بيار فغضبتُ، وأخذته جانباً، وقلت له: بإمكانك أن تتناول أي شخص إلا الشيخ بيار، وبقينا 3 أشهر لا نتحادث، وكنت مسؤولاً عن الشعبة الثالثة وغرفة العمليات، وكان يضطر إلى التحدث معي إنما لم يفعل، واستمرت هذه الحالة إلى يوم كنت عند بوابة غرفة العمليات، وإذ ببشير كان يهمّ بمغادرة المجلس بسيارته، فعاد أدراجه وتوقف أمامي، وترجل من السيارة وقال لي: “كيفك منيح؟ معك حق الشيخ بيار خط أحمر ولن نتناوله بعد اليوم بكلامنا”.

“نازو” مع بشير

رفضت أن أنفّذ أمر بشير

نازار نجاريان، مدير التوجيه في المجلس الحربي سابقاً، وأمين عام حزب الكتائب حالياً، يستذكر بشير الذي كانت كلمته واحدة لا تتغير ويلتزم بها حتى النهاية. ويروي لـ”النهار” أن “القوات أعدّت برنامجاً للتدريب الإلزامي للشباب على القتال لا يعفى منه إلا في بعض الحالات، والتزم الجميع بالقرار.

وفي صيف 1982 اتصل بي بشير طالباً مني أن أعفي أحد الشباب من دير القمر من التدريب لأن الرئيس كميل شمعون طلب ذلك منه، ويريد أن يحقق له هذه الرغبة، خصوصاً أن لشمعون كتلة نيابية في مجلس النواب، وكان بشير يتحضر للانتخابات الرئاسية، فرفضت ذلك، وعاود الطلب مني قائلاً: “أنا عم أطلبها منك”، فقلت له “لا”، فسكت لثوانٍ، لكنها كانت بالنسبة لي سنوات كونه رئيسي وقادراً أن يأمرني، وعليّ أن أنفّذ دون اعتراض، فسألني: “متى يلتحق الشباب؟”، فقلت: “في بداية الصيف وفي نهاية آب”ـ وكانت الانتخابات الرئاسية في 23 آب ـ فقال لي: “طيّب أجِّلها لبعد 23 آب، هيك ما بيزعل الرئيس شمعون ولا منخالف القانون”. ويتابع نزاريان: “وهذا ما حصل، فلم يكسر بشير القانون وأرضى شمعون، وهذا ما كنا نحبه فيه أنه كان قائداً ويعمل ضمن المجموعة”.

“بوسي” مع بشير

محاضرة عن البيئة تحت القصف

مسعود الأشقر (بوسي)، قائد وحدات بيروت إبان الحرب، يستذكر بشير “المليء بالحياة والشجاعة والقدرة على المقاومة والصمود”. ويروي لـ”النهار” أنه في العام 1978 عندما حاصر الجيش السوري ثكنة الفياضية وحاول اقتحامها، وكان الجيش اللبناني بحاجة إلى إسناد صاروخي، قصفنا أنا ومجموعة من الأشرفية، الجيش السوري دعماً للجيش اللبناني من دون أن نأخذ أمراً، لا من المكتب السياسي ولا من بشير، فاستدعانا الباش وقال لنا: “اختفوا شي أسبوعين، مش طايقكن المكتب السياسي، برجع أطلبكن بس تروق”.

وفي رواية أخرى يتحدث أشقر قائلاً: “في أحد الأيام كانت المعارك ضارية على كل الجبهات، توجهنا كعادتنا يوم الخميس إلى اجتماع المجلس الحربي في تمام الساعة السادسة، لدى وصولنا تفاجأنا برجلين لا يرتديان ثياباً عسكرية، وإذا نعلم بعد قليل أنهما قدِما لإعطائنا محاضرة عن البيئة وأضرار سرقة الرمال وقطع الاشجار والكسارات، وطبعاً، وبدون اعتراض، تابعنا المحاضرة لساعة ونصف الساعة”.

جو إده مع بشير

جو إده مع بشير

ثقته فينا أربحتنا الحرب

جو إده، قائد المغاوير في القوات اللبنانية سابقاً، وقائد معركة زحلة التي لا تقلّ أهمية عن معركة المئة يوم في الأشرفية، والتي حددت مصير ترشح بشير إلى الرئاسة، تحدث عن الثقة والحقيقة التي كان يتوجه بهما بشير إلى رفاقه قائلاً لـ”النهار”: “كان بشير صريحاً في بداية حرب زحلة، وقال لنا إنها لن تكون سهلة، ووضعَنا في أصعب الظروف التي قد تواجهنا، وفي طليعتها الشهادة، واستمرينا فيها حتى النهاية لأننا كنا على ثقة بأن هذا القائد سيعمل المستحيل كي نربح الحرب بأفضل الشروط التي تضمن كرامتنا وكرامة أهل زحلة الذين وقفوا صفاً واحداً في وجه الجيش السوري، وانتصرنا رغم التضحيات والمعاناة والحصار”.

بشير في المجلس الحربي
فرج عبجي – النهار