رحلة في جذور التاريخ – المهندس مارديروس ألتونيان “الجندي المجهول” وراء تصميم البرلمان و”ساعة العبد”

تاريخ رحلة في جذور التاريخ

من المعالم المدنية في زمن سلطة الانتداب الفرنسي، ساحة “النجمة” وسط شارع “المعرض”، وسميت بهذه التسمية على غرار ساحة النجمة الباريسية، إذ تتفرع عنها شوارع متساوية الزوايا وسداسية الاتجاهات بشكل النجمة، علماً أن التصميمات التي وضعت في حينها أخذت بعين الاعتبار أن يكون عدد الاتجاهات ثمانية، إلا أن الحرص على إبقاء بعض المعالم حال دون ذلك. واستعانت لهذه الغاية بالمهندس البارون هوسمان الذي صمم العاصمة الفرنسية باريس بشوارعها الضخمة والعريضة، ومن بينها ساحة “النجمة” الشهيرة.

مجلس النواب في مشهد من الزمن الجميل.

ساحة النجمة وقناطرها

كيف انطلق بناء ساحة النجمة؟ ذكر الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد عيتاني لـ”النهار” أنه شيدت في ساحة “النجمة” مبانٍ حجرية شبيهة بمباني شارع “الريفولي” في فرنسا، مع الإصرار على التمسك بطابع العمارة والهندسة العربية، فجاءت الأبنية الجديدة، والتي لا تزال قائمة، تنبئ عن هذه الهوية بما تبينه هذه الأبنية من عقود ومقرنصات وقناطر وأعمدة وزخارف، إضافة إلى تزيين مداخل المباني بالبلاط وصفوف النوافذ والشرفات”.

أثناء بناء قبة البرلمان.

 

مارديروس ألتونيان و الـ75 مقعداً

تصميم مجلس النواب للمهندس المعماري مارديروس ألتونيان.

 

“لنبدأ بتاريخ إنشاء مجلس النواب في ساحة النجمة، وفي وسطها ساعة “العبد” و”المكتبة الوطنية”، قال عيتاني. من كان وراء تصميم المبنى؟ الجواب لدى عيتاني أن “كثيرين من زائري وسط بيروت وساحة النجمة يجهلون أن مصمم مبنى المجلس النيابي اللبناني هو التركي من أصل أرمني واللبناني الشهرة مارديروس ألتونيان (1889ـ 1958)، المولود في منطقة بورسا التركية (أو أرمينيا الغربية). كُلّف بوضع تصاميم المجلس النيابي بين عامي 1933 و1934، وأنشأه على طراز عثماني مستحدث، واستعمل عناصر مستوحاة من فن العمارة في بنايات منطقة الشوف من حيث استعمال النوافذ المزدوجة والقناطر المثلثة فوق قوس على المدخل”.

شارع المعرض خلال ورشة بناء البرلمان.

 

اللافت، وفقاً لعيتاني، أنه “قد جعل للبوابة العامة مدخلين: واحداً للنواب وآخر للزوار”، مشيراً الى أن داخل البناء احتوى على ٧٥ مقعداً للنواب على أحدث طراز، وكان البناء على شكل “الإنفيتياتر”، وخصص للزوار ألواح في القسم الأعلى”.

الجلسة الاولى عام 1934

واستعاد عيتاني بدايات بناء مجلس النواب مشيراً الى أنه “منذ العام 1933، شرع ألتونيان بالعمل على تصميم مبنى مجلس النواب الحالي في ساحة “النجمة” والإشراف على تنفيذه، حيث انطلقت الاجتماعات فيه اعتباراً من عام 1934، بعد أن كانت تعقد في السراي الصغير في ساحة البرج وسط العاصمة بيروت”، مشيراً الى أن الاجتماعات بدأت “اعتباراً من العام 1934”.

مبنى مجلس النواب في العام 1950.

 

عن أول جلسة لمجلس النواب، ذكّر عيتاني بمحتويات هذه الجلسة كما نقلت صحيفة “العواصف” وقائع مناقشة في كارثة “كوكب الشرق”، وطلب من الحكومة الإسراع في التحقيق لتحديد المسؤولية وإعانة ذوي الضحايا… وعقد في اليوم التالي جلسته الثانية وتُلي رد الحكومة على الأسئلة التي وجهت إليها في صدد كارثة الكوكب”، مشيراً الى أنه بعد النقاش في الموضوع طلب الدكتور أيوب تابت تأجيل البحث ريثما ينتهي التحقيق الإداري والعدلي، فوافق الأعضاء على طلبه…”.

كوكب الشرق وصحن الفول

وذكر أن “كوكب الشرق” هو ملهى كان يقوم في وسط ساحة “البرج”، هُدم مبناه سنة ١٩٤٣ بسبب إقدام صاحب مطعم فول أبو عفيف برهومي بإزالة عامود في مطعمه لتوسعته، فانهار الكوكب وسقط ثلاثون قتيلاً، مشيراً الى أن ما دفع الشاعر عمر الزعني إلى تنظيم قصيدة ناقدة يقول مطلعها: “مش معقول مش معقول يهدّ الكوكب صحن الفول”.

الواجهة الرئيسية لمجلس النواب خلال الحرب.

 

“أما المبنى الجديد لمكاتب النواب الملاصق لمبنى البرلمان في ساحة النجمة،” فقد تم تصميم عمارته، وفقاً لعيتاني،  وتنفيذها من قبل المهندس نبيل فوزي عازار بين عامي 1994 و1997″.

20 ألف كتاب

العميد الراحل ريمون اده في جسلة نيابية عام 1958.

 

وفي ما يخص تاريخ مكتبة المجلس النيابي اللبناني، فقد أكد عيتاني أنه “تم نقلها بما تحويه من كتب ووثائق تضمّنت دستور عام 1926، إلى “قصر منصور” عقب اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ثم أعيدت بعد تلك الحقبة إلى ساحة النجمة”، مشيراً الى أن الإحصاءات أشارت إلى أن “المكتبة فقدت كتباً ووثائق في غاية الأهمية نتيجة الدمار الذي شهده البلد ومؤسساته العامة والخاصة خلال الحرب”.

السيارات تغادر مجلس النواب.

 

وشدد على أنه “مع بداية العهد الجديد للمجلس النيابي، أعيد إحياء المكتبة وتطويرها ضمن المديرية العامة للدراسات والمعلومات، وهي تتألف من دائرتين: المكتبة والتوثيق، وتشغل إلى جانب قسم التوثيق مساحة ألف متر مربع في المبنى الجديد لمجلس النواب”، مشيراً الى أنّ “مكتبة المجلس النيابي تحتوي على ما يفوق 20 ألف كتاب وعنوان باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية”.

نائب رئيس مجلس النواب ميشال سياسين بعد اعلان فوز سليمان فرنجية برئاسة الجمهورية.

 

ساحة العبد في الأربعينات

وفي بيروت وتحديداً وفي وسط ساحة “النجمة” تنتصب “ساعة العبد”، وهي أيضاً من تصميم المهندس مارديروس ألتونيان”، قال عيتاني. ونوّه “ببراعة ألتونيان، وهو مهندس ونحات ورسام، الذي صمم وأشرف على تنفيذ مبنى البرلمان، جعلته يفوز بالمرتبة الأولى في امتحان أفضل تصميم لـ “حارسة البرلمان” أي “ساعة العبد” التي قدّمها المغترب الثري والمكسيكي من أصل لبناني ميشال العبد والتي حملت اسمه”.

قبل وضع “ساعة العبد” امام مبنى مجلس النواب.

 

سيارات تجول في المكان المخصص لـ”ساعة العبد”.

 

وتوقف عند تدشين “برج الساعة في مطلع الأربعينيات في احتفال كبير أقيم في الساحة نفسها”، مشيراً الى أن “برج الساعة يبعد نحو ثلاثين متراً عن البرلمان، ارتفاعه نحو 15 متراً، بشكل مستطيل، تزينه فتحات هواء، وتعلوه غرفة مغلقة تطل أيضاً على المدينة من الجهات الأربع”.

ولفت الى أن “ساعة العبد أحيطت بحوض ماء استعمله لاحقاً الحمّالون في سوق “النورية” ليغسلوا وجوههم، ما دفع بلدية بيروت إلى تجفيفه لوضع حد لهذه الظاهرة، فتحول إلى مكان لتفريغ البضائع”، مشيراً الى أن “تشييد الساعة استفزّ الفنان والشاعر الساخر عمر الزعني فكتب «ما بيكفيها بيروت الزحمة نصبوا بوجا خازوق» ناعتاً ساعة العبد بالخازوق”.

واعتبر أن ما قاله الراحل عمر الزعني هو اعتراض على تجاهل أزمات الناس ومشاكلهم الحياتية.

وفي ما يلي نص القصيدة كاملاً:

وبآخر ساعه بعز المجاعه

قاموا الجماعه نصبوا لنا ساعه

يلعن هالساعه وهيديك الساعه

كل يوم مصيبه وأمور عجيبه

خلصنا من الكورنيش وقعنا بالساعه

بدل ما توسع شويه وتتوسع

كلما لها بتضيق من ساعه لساعه

كل شي كان معنا عمله وجمعنا

طارت من إيدنا ساعه بسمّاعه

طارت البركه قلّت الحركه

ما ماشي إلا رقّاص الساعه

وبأحشر سوق نصبوا الخازوق

خازوق كبير وبراسه ساعه

كلما لها بتشد والرزقه بتنسد

ما الها حله تتقوم الساعه.

“ساعة العبد” في الماضي.

 

وأكد على أن ساعة “العبد” بقيت صامدة في مكانها الى العام 1966، حين صدر قرار من بلدية بيروت بنقلها الى كورنيش العدلية، بعدما اكتُشفت آثار في الموقع الذي أقيمت فيه أصلاً، مشيراً الى أنه “بعد مرور ثلاثين سنة، قُدِّر لهذه الساعة ان تسترجع موقعها وتستحوذ على الإعجاب الذي كان يميزها في الماضي، إذ عادت الى ساحة “النجمة”، ودارت عقاربها مجدداً في 22 تشرين الأول 1996 في إطار مشروع هندسي متكامل تضمّن إقامة متحف جوفي للآثار تحت الساعة، وإعادة تركيب المكتشفات التي عثر عليها تحت مبنى “بنكو دي روما” سابقاً، حيث يقوم مكانه مبنى جديد يضم مكاتب للنواب…”.

عودة “ساعة العبد”.
روزيت فاضل – النهار